ابن عربي

68

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

خلافة سيدنا ومولانا الناصر لدين اللّه أمير المؤمنين أبي العباس أحمد ابن الإمام الحسن ابن الإمام يوسف ابن الإمام محمد . بويع له في الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة خمس وسبعين وخمسمائة . ونحن اليوم في شوال سنة إحدى عشر وستمائة ، أبقى اللّه عمر سيدنا ومولانا أمير المؤمنين ، وكان قد عقد لولده أبي نصر محمد ، ثم إنه استقال منه ، فأقاله أمير المؤمنين وأشهد على نفسه بالخلع من ولاية العهد لعجزه عنها ، ونزع اسمه من الخطبة وذلك سنة إحدى وستمائة . أخبرني بذلك الثقات وأنا بالموصل ، ولم يبق له اسم في الخطبة بعد الخلع في جميع البلاد إلا بلاد يونان ، فإنه بقي ذكره بعد الخلع قريبا من سنة ، لأنه أبى السلطان كيخسرو بن قليج أرسلان بن مسعود أن يزيل اسمه بالاستفاضة من غير أمر من الديوان ، فلما أتى الأمر إليه أزال ذكره . يبقي اللّه عمر سيدنا أمير المؤمنين ويؤيده ويرشده لمصالح نفسه ومصالح المؤمنين ورعيته ، آمنين بعزّته . وتوفي آخر شهر رمضان سنة اثنين وعشرين وستمائة ، وولى ابنه محمد الظاهر في أمر اللّه الذي كان قد خلع نفسه ، وتوفي في رجب سنة ثلاث وعشرين وستمائة ، وكانت خلافته تسعة أشهر ، وولى بعده ابنه المستنصر أبو جعفر المنصور ، ويعرف بالقاضي ، أدام اللّه بقاه ، وهو الخليفة الآن حين تقييدي هذا . روينا عن الحميدي ، عن محمد بن سلامة القضاعي ، عن منصور بن النعمان ، عن أبي مسلم الكاتب ، عن محمد بن الحسين ، عن ابن دريد ، عن الحسن بن الخضر ، عن رجل من أهل بغداد ، عن المذكر أبي هشام ، قال : أردت البصرة فجئت إلى سفينة أكتريها وفيها رجل ومعه جارية . فقال الرجل : ليس هنا موضع . فسألته الجارية أن يحملني ، فحملني . فلما سرنا دعا الرجل بالغداء ، ثم قال : انزلوا ذلك الفقير ليتغدى . فأنزلت على أنني مسكين ، فلما تغدينا قال : يا جارية ، هاتي شرابك ، فشرب وأمرها أن تسقيني ، فقلت : رحمك اللّه ، إن للضيف حقا ، فتركني . فلما دبّ فيه النبيذ ، قال : يا جارية ، هاتي العود ، وهاتي ما عندك . فأخذت العود ثم غنّت تقول : وكنا كغصني بانة ليس واحد * يزول من الخلّان عن رأي واحد تبدّل بي خلا فخاللت غيره * وخالفته لما أراد تباعدي فلو أن كفّي لم تردني أبيتها * ولم يصطحبها بعد ذلك ساعدي ألا قبّح الرحمن كل مماذق * يكون أخا في الخفض لا في الشدائد ثم التفت إلي وقال : أتحسن مثل هذا ؟ فقلت : أحسن خيرا منه ، فقرأت : إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ ، فجعل يبكي ، فلما انتهيت إلى